218
بقلم: محمد شكري

سنة تلو الأخرى تفتح عمان أبوابها للسياحة الدولية. فالبلاد بحاجة لتنويع اقتصادها. وتأمل سلطنة عمان بما لها من تاريخ حافل ومناظر طبيعية خارقة الجمال، أن تصبح الوجهة المفضلة لدى السواح الغربيين، وذلك دون التفريط بأصالتها والمبالغة بالانفتاح. وهي معضلة شائكة.

سنة تلو الأخرى تفتح عمان أبوابها للسياحة الدولية. فالبلاد بحاجة لتنويع اقتصادها. بما لها من تاريخ حافل ومناظر طبيعية خارقة الجمال، تأمل سلطنة عملن أن تصبح الوجهة المفضلة لدى السواح الغربيين، وذلك دون التفريط بأصالتها والمبالغة بالانفتاح. وهي معضلة محيرة.

تتوقف حافلة صغيرة عند قصر نخل جنوبي شرقي مسقط. تخرج منها ببطء سيدات يرتدين عباءات سوداء، يتحلقن حول رجل في دشداشة بيضاء، و هو يخاطبُهُنّ قائلاً:“ماذا نقول للسواح عندما يترجلون؟ نعطيهم معلومات عملية، مثلاً أين يجدوا دورات المياه. علينا ألا نغفل أننا في غالب الأحيان نتعامل مع سياح في سن متقدم، قد يكون لديهم داء السكري أو مشاكل صحية أخرى. وبالتالي فسوف يضطرون للذهاب بشكل متكرر الى دورات المياه. لا داعي لحثّهم على الإسراع لدى صعود أو نزول السلالم، لا بد من إتاحة متسع من الوقت أمامهم”. هذا ما يؤكد عليه المتحدث للطالبات حوله. بدر الذهلي أستاذ مسؤول عن إعداد العاملين في مجال السياحة في كلية السياحة في عمان وهي المؤسسة التعليمية الوحيدة المتخصصة في هذا المجال. ولقد تضاعف فيها خلال السنوات الخمس الأخيرة عدد الطلاب، فارتفع من 400 الى 800. يقول مدرس اللغة الفرنسية، حسن الرمضان: “في البداية كنت أجد أمامي طلاب تسجلوا في هذه الكلية لأنهم لم يحزموا أمرهم في التسجيل بأي مادة أخرى، وكانوا لا يقيمون أي اعتبار للسياحة، أما الآن فالوضع مختلف تماماً.”

منذ عشر سنوات شهد قطاع السياحة منعطفاً هاماً وبدأ يأخذ مكانه شيئاً فشيئاً في ذهنية العمانيين. يضحك بدر قائلاً:“في بداية الألفية الثانية، عندما كنّا نقدم لموضوع السياحة في المدارس كان الأساتذة يتصورون أن الأنشطة تقتصر على تقديم الشاي وترتيب الأطباق. ولكن العمانيين أدركوا منذ ذلك الحين القدرات الكامنة في هذا المجال فإيرادات السياحة نسبةً لإجمالي الناتج المحلي تشهد ارتفاعاً مستمراً منذ ذلك الوقت. ولقد بلغت عام 2017 مبلغاً محترماً ألا وهو 2,2 مليار دولار أي ما يمثل 3,2% من إجمالي الناتج المحلي. ولقد أصبحت سلطنة عمان وجهة سياحية جديدة لرواد غالبيتهم من الشرائح الاجتماعية الميسورة أو الثرية. في أروقة وزارة السياحة يؤكد البعض على بلوغ أرقام قياسية في نمو أعداد الزوار ويتباهى سليم عدي المعمري ، مدير عام الترويج السياحي في وزارة السياحة بارتفاع عدد”السواح الفرنسيين بنسبة 20% وعدد الألمان بنسبة 41 % من سنة 2016 الى سنة 2017". ويقدر معدل النمو لكافة السواح ب5% كل عام.

الأخ الأصغر للصناعة النفطية

ولقد تطورت السياحة ببطء في السلطنة. ففي التسعينات وحتى بداية الألفية الثانية كان احتمال الحصول على تأشيرة سياحية دون المرور بوكالات السفريات أمراً شبه مستحيل. ولكن الباب فُتح قليلاً عام 2004 عندما أصبحت سلطنة عمان البلد الخليجي الأول الذي ينشئ وزارة سياحة. وبات اليوم من الممكن لرعايا العديد من البلدان الغربية الحصول على تأشيرة لدى الوصول إلى المطار، دون أي حجز مسبق. ويوضح سالم بن عدي المعمري:“كان لا بد للسلطنة أن تنجز نموها قبل أن تنفتح كلياً. ويعترف بدر الذهلي وهو الذي عمل كدليل سياحي منذ عشر سنوات بأن بلاده تفضل”التحكم بسياحتها والتأكد من ملاءمة الأماكن السياحية". وهكذا يتم التأكد من أن الفنادق والخدمات المقدمة تقتصر على القدرات الشرائية المرتفعة التي ليست في متناول الجماهير.

سياحة انتقائية

يقول مارك فاليري وهو مدرس محاضر ومدير مركز الدراسات حول الخليج العربي في جامعة إكسيتير “لطالما كان الانفتاح على السياحة متسماً بالحذر، كما تدل على ذلك إرادة السلطات باختيار”سياحة نوعية انتقائية“أي سياحة مقتصرة على النخب الغربية الثرية التي يسهل التحكم بها. ويوضح في كتابه”سلطنة عمان - ثورة خادعة“: “ تخشى السلطات الآثار الاجتماعية والبيئية للسياحة الجماهيرية التي لا تكون تحت السيطرة تماماً”. ولكن وزارة السياحة قد فتحت مؤخراً في صلالة خطاً جوياً للرحلات الجماعية بالطائرات المستأجرة باتجاه روسيا بهدف تنشيط الموسم الشتائي في ظفار. إذ أن موسم الصيف هو الأكثر ارتياداً حتى الآن فالأجواء لطيفة والطبيعة مكسية بالخضرة بفضل الرياح الموسمية الآتية من الهند، وحيث يأتي العديد من السواح من كل بلدان الخليج. كان عدد الزوار ما بين 800.000 ومليون في صيف 2018، جاؤوا لينعموا بالطقس الظفاري الاستثنائي في المنطقة. يمثل موسم الصيف بالتالي فرصة كبرى تود السلطات الاستفادة منه بشكل أفضل لتستطيع جذب المستثمرين. حتى ذلك الحين كانت الرحلات الجماعية على الطائرات المستأجرة ممنوعة، وما زالت تثير نقاشاً داخل المنظومة السياحية العمانية. يقول بدر الذهلي: "أنا غير راض عن الرحلات الجماعية الى صلالة فهؤلاء السواح لا ينفقون المال ولا يهتمون بالمكان الذي ينزلون فيه. سمعة عمان يمكن أن تجلب لنا سواحاً من نوعية أفضل. بعض المسؤولين يتباهون بأنهم استطاعوا جلب هؤلاء السواح ولكنه سوق غير مجزي سوف يشوه المنطقة ويدمر سمعتها ويكلف ثلاثة أضعاف ما يجلبه فعلاً للسكان المحليين.”

0