218
بقلم: محمد شكري

بالرغم من الانتصار على داعش · بالرغم من تصفية المعاقل الأخيرة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تجد السلطة العراقية نفسها اليوم في مواجهة تحديات عدة، ولا سيما إعادة الإعمار و ترميم الوحدة الوطنية. ولكنها تحديات تزداد وطأة بسبب المتطلبات المتناقضة ما بين طهران وواشنطن.

أكثر من سيناريو سيشغل وادي الرافدين وحكومته الجديدة التي لم تكتمل كابينتها بعد، ومجلسه التشريعي (البرلمان) بدورته المنتخبة حديثاً المؤلفة من 329 نائباً موزعين بتحالفات ابتعدت فيها عن التكتل الطائفي.

تحالفان يتصدران المشهد: قائمة “البناء” التي تضم 145 نائباً وهي موالية لإيران، وتحالف “الإصلاح والأعمار” وفيه 134 نائباً ويتسم بالقرب من المحيط العربي والبعد عن الدائرة الإيرانية. أما القوائم الكردية فجاءت مختلفة عن السابق، حيث كل حزب يعمل بعيداً عن الأخر، لفشلهما بالاتفاق لتشكيل كتلة كردستانية موحدة في بغداد.

السيناريو الأقرب للتحقيق الفعلي من هذه السيناريوهات المحتملة (وبدأنا نشهد خطواته) هو الصراع الأميركي الإيراني على أراضي العراق بسعي من واشنطن لضمه للمعسكر او الخندق الأميركي، وأولها إنهاء التعاون الاقتصادي بين بغداد وطهران الذي يصل نحو “12 مليار دولار” سنويا وقطع التهريب بالطرق غير الرسمية، لإدراك أميركا بأنّ العراق يشكل الرئة الاقتصادية لإيران.

لعبة إيران في مواجهة واشنطن

وأولى هذه الخطوات كانت مطالبة واشنطن الحكومة العراقية الالتزام بالعقوبات الاقتصادية ‎ المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن جاء الرد بالرفض لإدراك بغداد أهمية الموقف الإيراني منها وقوة الفصائل العراقية الموالية لطهران التي تسيطر على الشارع العراقي والتي من الممكن أن تعكر الاستقرار الأمني، وكذلك نفوذها الذي لا يستهان به داخل البرلمان العراقيّ، وقد يعيق هذا النفوذ النيابي استكمال تشكيل الحكومة او سحب الثقة منها كما حصل مع الحكومة التي سبقتها برئاسة حيدر العبادي الذي لم تجدد ولايته لتذبذبه في رفض تطبيق العقوبات.

بعدها جاءت الخطوة الثانية لأميركا ضمن هذا الصراع بشكل يجبر السلطات العراقية للقبول به: الانفتاح اقتصادياً على الأردن بزيارة رئيس حكومتها لبغداد وتوقيع مجموعة اتفاقيات تشمل قطاعات التجارة والاقتصاد والمال والزراعة والصحة والنقل، فضلاً عن الطاقة وأبرزها مد الأنبوب من البصرة العراقية لميناء عقبة الاردني وإنشاء منطقة صناعية مشتركة على مساحة “24 كم” مربع، كما عزز هذه التعاون الجديد مجيء ملك الأردن للعراق الذي وصف البلد المُضيف زيارته بـ “التاريخية” لتشكل دعامة أساسية لفتح آفاق أوسع للتعاون التجاري.

وهذه الاتفاقيات غيرت من تعامل طهران مع بغداد بتقليل سطوتها العسكرية المتمثلة بقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني الذي كان يزور الاراضي العراقية بشكل مستمر وهدوء الفصائل المسلحة الموالية لها.\

إتفاقات في كل المجالات مع إيران

ويقابل ذلك زيارة أعلى مسؤول إيراني رئيس الجمهورية حسن روحاني الذي أنهى جولته للعاصمة بغداد وكربلاء والنجف الشيعيتين، بإلغاء تكلفة تأشيرات الدخول للسفر بين ايران والعراق، والتي دخلت حيز التنفيز في 5 نيسان الجاري. وهو الأمر الذي يصب في مصلحة طهران لأن أكثر من 5 مليون إيراني يدخل العراق سنويا لأغراض السياحة الدينية او التجارة (بتكلفة 50 دولاراً لرسوم تأشيرة الدخول للعراق)، في حين أعداد الزائرين العراقيين لإيران لا تتجاوز المليوني مواطن (والتأشيرة في هذا الاتجاه تكلف 30 دولاراً). وتضمنت الاتفاقيات توقيع مذكرات تفاهم في مجالات عدة، متعلقة بالنفط والتجارة والصحة والنقل لإنشاء السكك الحديدية بين الشلامجة الايرانية والبصرة، وفتح منافذ حدودية جديدة بين الجانبين، وإقامة مدن صناعية مشتركة على الحدود العراقية الإيرانية لإنتاج سلع وبضائع تشترك بغداد وطهران معاً في صناعتها، وتنفيذ النقل المباشر للبضائع من دون تفريغها في الحدود المتجاورة بينهما لتفتيشها، حيث تفرغ حالياً من الجانب العراقي في محافظات البصرة وواسط وديالى والسليمانية، فضلاً عن قطاع الصحة والتعليم والتربية، وإحياء اتفاقية “1975” لرسم الحدود التي تصب لصالح ايران.

في هذا الصراع الأميركي الإيراني لم نشهد بعد نيران أسلحة الفصائل العراقية الموالية لإيران توجه ضد مصالح واشنطن، التي تكون أقرب هدف لهم هي قنصليتهم في البصرة لتذبذب الأوضاع الأمنية هناك او شركاتهم الاستثمارية عبر استهدافها او خطف العاملين فيها كما حصل في الأعوام الماضية.

0