53
بقلم: محمد شكري

يحدثنا جان بيار شوفنمان رئيس مؤسسة إسلام فرنسا عن دوره ودور المسلمين وعن العلمانية والتحدي الذي تمثله الأيديولوجيات الراديكالية. كما يحدثنا عن ذكرياته في الجزائر ويتطرق الى فلسطين وحربي العراق ومستقبل الشرق الأوسط.

‎بعد ما يقارب العام على إنشاء مؤسسة “إسلام فرنسا”، ما زال البعض يخلط بينها وبين المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية. ما هو الفرق بين الاثنين

‎هو فرق أساسي. المجلس هيئة تمثل الديانة كما تدل على ذلك التسمية، وقد تم إنشاؤه عام 2003 في شكل جمعية تخضع لقانون 1901 . وكان ذلك نتيجة مشاورات داخل طائفة المسلمين في فرنسا، كنت أول من دعى إليها عام 1999 بصفتي وزيراً للداخلية وشؤون الطوائف.

‎إلا أن الأمور أخذت مجرى لم أكن أتوقعه، جعل نيقولا ساركوزي وزير الداخلية آنذاك يضطر الى التدخل في مسار الأمور لأن الانتخابات التي تمت عام 2003 بين المشاركين لم تسفر عن رئيس يتفق عليه الجميع، بسبب التيارات المتنافسة. وسعياً منه للخروج من المأزق، قام الوزير ساركوزي الى حدٍّ ما بفرض عميد مسجد باريس السيد دليل بوبكر، كأول رئيس للمجلس الناشئ.

‎بعد ذلك، أدت الانتخابات التالية الى منح الأغلبية لمرشح مغربي هو السيد محمد موساوي، مما دفع ممثلي مجسد باريس الى الانسحاب من هذه الهيئة بُعيد ذلك، وحذا حذوهم “إتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” . وبالتالي فإن المجلس الذي كان يُؤمل منه أن يمثل الطائفة بأكملها لم يجد في حقيقة الأمر توازنه.

‎ولقد جرت الانتخابات الأخيرة عام 2012 وأسفرت عن وضع رئاسة دورية بين مندوبي الاتحادات الثلاث الأساسية التي تمثل “بلدان المنشأ” ، أي الجزائر، ويمثلها مسجد باريس الكبير، والمغرب ويمثله تياران، الأول هو “تجمع مسلمي فرنسا” ويرأسه أنور كبيباش، والثاني “اتحاد مساجد فرنسا” ويرأسه محمد موساوي، أما البلد الثالث فهو تركيا وتمثلها “لجنة التنسيق بين المسلمين الأتراك في فرنسا” التابعة مباشرة لوزارة الشؤون الدينية في أنقرة. وبموجب هذه الرئاسة الدورية فلقد تناوب على هذا المنصب كل من السيد دليل بوبكر مجدداً بين 2012 و2015، ثم السيد أنور كبيباش بين 2015 و2017 والآن السيد أحمد أوغراس. ‎هذا في ما يتعلق بتمثيل الديانة الاسلامية، ووجود المجلس بحد ذاته يعتبر خطوة الى الامام، أما تقييم إنجازاته فهذا أمر لا يعود الي أنا.

‎وأما “مؤسسة إسلام فرنسا” فهي أحد ركنين في البناء الذي صممه السيد كازْنوف، وزير فرنسا للداخلية بين 2014 و2016، للنهوض بفكرة إسلام فرنسي المَوْطِن، طبقاً لمبدأ العلمانية الذي يفصل بين الشأن الديني والدنيوي، ولهذا السبب ارتأى الوزير أن يعهد إليّ بترؤس هذه المؤسسة فهي مؤسسة دُنيوية ليس لها رسالة دينية. والمؤسسة ليست إلا جزءاً من المشروع الكامل حيث أن الركن الآخر، وهو الأهم في واقع الأمر، يتمثل في تشكيل جمعية دينية تحت قانون 1905 الذي يمنحها إعفاءات ضريبية، وهذه الجمعية تُكلف بجمع الأموال ويعهد إليها بمهمة أساسية أخرى، تتم بموافقة السلطات الروحية وبمساعدة الدولة، ألا وهي تنظيم طقوس ذبح الحلال، على ان تكون هذه المهمة مقصورة على هذه الجمعية الدينية دون سواها وليس كما هي الحال اليوم في عهدة ثلاثة مساجد هي مسجد باريس الكبير ومسجد ليون ومسجد إيفري، وهو الامر الذي يجدر التنويه به.

‎هذا هو الركن الثاني، الذي لم يتكون بعد، ولكن لا بد سيتحقق في المستقبل، في صيغة يتعين الاتفاق بشأنها بين هيئات الطائفة والدولة الفرنسية، بصفة هذه الأخيرة مسؤولة عن الأمن والتوافق الوطني والصحة العامة.

‎ولقد انشأت مؤسسة إسلام فرنسا في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2016، وانتخبت رئيساً لها من قِبل مجلس إدارتها، وأنا العضو الوحيد غير المسلم بين الشخصيات المؤهلة فيه. كما أن هناك مجلس إرشاد مؤلف من ثلاثين شخصية مرموقة من الرجال والسيدات، من باحثين وأساتذة وقانونيين وناشطين في الميدان . هذا هو النظام المعتمد. وأكرر مرة أخرى أن الهدف من المؤسسة هذه إنما هو دُنيوي، فنحن جمعيّة نفع عام، ذات رسالة ثقافية تربوية اجتماعية. وليست دينية.

من الأهمية بمكان التنويه بذلك إذ أن البعض يتصور أن المؤسسة تعنى بتأهيل أئمة المساجد في الدين والعقيدة أو بإعادة تفسير القرآن.

‎أبداً. التأهيل الذي تُتيحه المؤسسة لهؤلاء الأئمة هو تأهيل مدني بالشهادات الجامعية في مبادئ القانون ومقومات الجمهورية وما تعنيه العلمانية فعلاً، فالعلمانية لدينا ليست موجهة ضد الأديان إطلاقاً. والمؤسسة تقدم منحاً دراسية وتحاول الارتقاء بالمستوى الأكاديمي في فرنسا لما يسمى بالإسلاملوجيا (أي دراسات جامعية حول التاريخ والفكر الاسلامي والشرع والمجتمعات الاسلامية). لقد كان جاك بيرك، الذي غادرنا عام 1995 للأسف الشديد، معلماً وصديقاً مقرباً لي، كان شعلة متقدة، وهو من أهداني الى فكرة إسلام فرنسي المَوْطِن، يُدخل الطمأنينة الى نفوس الفرنسيين الذين يعيشون في فرنسا وغالبيتهم من الفرنسيين، إسلام يتطور في سياق فرنسي غير متأثر بسياقات بلدان المنشأ. بطبيعة الحال هذه البلدان صديقة وحليفة ولا بد ان يتم التفاوض معها في مناخ من الاحترام المتبادل فيما يتعلق بتكوين الأئمة ودفع أجورهم.

‎لكن البناء المتكامل الذي صمّمه الوزير كازْنوف ما زال مختل التوازن، فالجمعية الدينية التي كان من المفترض بها أن تمثل الركن الثاني لا بد ان تكون من اختصاص المسلمين وحدهم.

‎أما فيما يتعلق بمؤسسة إسلام فرنسا فنظراً الى تقدمي في السنّ فلن أخلّد في منصب الرئاسة طبعاً، وكل ما أطمح إليه هو وضعها على السكة فقط. وسيخْلفني في المنصب شخص آخر، علماً أن المؤسسة ستبقى علمانية ولن تكون طائفية. وستستمر بالعمل على إشاعة روح المودة المدنية عبر التعارف ما بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين.

‎هل يمكن القول إذاً أن هذه المؤسسة تتوجه الى الفرنسيين أجمعين، وتعمل أيضاً عل إبراز ما قدمته الحضارة العربية الإسلامية للغرب، بحيث يشعر جميع الفرنسيين بنفس الانتماء للرواية الوطنية؟

‎ تماماً. هدف المؤسسة شرح كيف تكونت الحضارة الأوروبية ولا سيما الفرنسية بتفاعلها مع العالم الاسلامي، وهي عملية اتسمت أحياناً بالصراع ولكنها كذلك تميزت بالتبادل الكثيف على نحو يفوق تصورات عامة الجمهور، سواءً في مجال اللغة أو التقاليد الاجتماعية أو العلوم أو الفنون أو الفلسفة أو المعارف كافة. فتاريخنا متشابك الى حد بعيد. وإنني أتبنى تماماً مقولة جاك بيرك القائلة:" لا أريد أن أنظر الى العربي نظرة المُستعمر التي تُصوّره بائساً. أريد أن أنظر إليه ‎كما ينظر هو الى نفسه، سيّد عريق، أمير فاتح، حتى لو دارت عليه الأيام، فما زال يحمل ذكرى حضاراته البراقة". ‎أعتقد أنه لا بد من إعادة الثقة الى النفوس، نفوس الجميع، المواطنين المسلمين وسائر الفرنسيين الذين يشعرون أحياناً بأن بلدهم يخرج من التاريخ. علينا أن نبعث الاعتزاز بالنفس على أساس المعرفة الحقيقية ، ونعيد تقييم تاريخنا بشكل صحيح، بما يحويه من ثروات وآيات من الحضارة ندين لها بحاضرنا.

‎ألا تعتقد أن عدم التطرق الى تاريخ الحرب الجزائرية في الخطاب الفرنسي وإبقاءها دفينة اللاوعي يساهم في تعقيد العلاقة بالإسلام ؟

‎ممكن... فالتاريخ يختزن ضروب المهانة والمعاناة التي يعيشها الطرفان. من حرب الغزو الى حرب الاستقلال عاش الشعب الجزائري حالةً من العنف الشديد، لا مثيل لها في تاريخ الامبراطورية الفرنسية الغابرة. ففي المغرب كان الماريشال ليوتي قد راعى الملكية الشريفية والمجتمع المغربي، كما أن نظام الباي في تونس لم يُمسّ. أما في الجزائر فكانت هناك محاولة تحويل الجزائريين الى فرنسيين، وهو أمر لا طائلة منه، فالشعب الجزائري واقع لا جدال فيه، بل هو واقع ساهمنا في تكوينه. فالجزائر اليوم، هذا البلد الشاسع ذات الأوجه المختلفة، هو أيضاً نتيجة فترة الاستعمار. فقبل ذلك كان هنالك “داي” في الجزائر العاصمة، و“باي” في وهران و“باي” في ولاية معسكر، وكانت أراضي الجنوب شبه مستقلة ذاتياً كما كانت منطقة الهُقار بعيدة كل البعد عن الجزائر العاصمة. وعَبْر نضاله من أجل الاستقلال رسّخ الشعب الجزائري وجوده.

‎ومن ناحية أخرى فإن الفرنسيين الذين أقاموا في الجزائر لفترة قرن من الزمن شعروا أيضاً بالمعاناة، حيث بدا لهم أنهم فقدوا موطنهم. لا شك اننا أضعنا فرصة تشييد “أندلس جديدة”، حسب عبارة قد تليق بجاك بيرك. وما زلت أذكر كلمة أسقف وهران المؤثرة، المعبِّرة: “الصداقة بين فرنسا والجزائر صداقة جريحة. إلا أن الجروح التي ألحقناها ببعضنا البعض ليست جروحاً عادية. فهي من الجروح التي يستطيع الأصدقاء وحدهم أن يكبّدوها بعضهم بعضا”.

‎هل لك أن تحدثنا عن ذكرياتك الشخصية عن الجزائر؟

‎استدُعيت للتجنيد الإجباري وكان عمري 22 عاماً، وكنت قد نجحت في امتحان دخول المدرسة الوطنية العليا لشؤون الإدارة دون تحضير، وبالتالي كانت فترة تدريبي العسكري أطول من فترة زملائي، وامتدت من يناير/كانون الثاني1961 الى ديسمبر/ كانون الأول 1962.

وبعد المدرسة الحربية، اخترت الشؤون الجزائرية، أي ما كان يسمى ب “الأقسام الإدارية المتخصصة” وهي وريثة “المكاتب العربية” في الزمن الغابر، وكان مبرر اختياري هو التعايش مع السكان المسلمين. ولقد تم حل هذه الأقسام في نهاية شهر مارس/آذار 1962، بعد اتفاقيات إفيان التي مثلت خاتمة الحرب في الجزائر. وطلبت حينها الالتحاق بالحاكم الإداري لمدينة وهران، وكنت مكلفاً بالعلاقة مع الجيش الفرنسي وكذلك مع جيش التحرير الوطني الجزائري. وكنت على قناعة تامة بضرورة استقلال الجزائر ومن المؤيدين لسياسة الجنرال ديغول. مع أنه لم يكن هناك إجماع لدى سائر الضباط الفرنسيين حول هذا الرأي. كان ذلك زمن منظمة الجيش السري المنشق. إلا أن الجيش الفرنسي في غالبيته بقي موالياً للجنرال ديغول. وبحكم عملي، كنت أول فرنسي (مع قنصل فرنسي قادم من يوكوهاما) يلتقي بالزعيمين بن بيلا وبومدين في تلمسان في 10 يوليو/تموز 1962. وبقيت في الجزائر حتى نهاية عام 1962.

‎ثم عدت الى الجزائر عام 1963 في إطار التدريب الدولي الذي يخضع له كل الطلاب في المدرسة الوطنية العليا لشؤون الإدارة. ولقد كانت هذه الفترة الى حد بعيد أساسية في تكوين شخصيتي. كنت أشعر بتعاطف كبير مع الشعب الجزائري، ومع كفاحه العادل في نظري. إلا أنني كنت أعتقد، شأني شأن ديغول، وأسوةً بديغول طبعاً، أنه من الأفضل أن يتم استقلال الجزائر بالتعاون مع فرنسا وليس ضدها. وبالتالي كنت متواجداً في الفترة الأخيرة من “الجزائر الفرنسية”، في مواجهة منظمة الجيش السري، كي أساعد الجزائر على انجاز الاستقلال.

‎هناك تقرير صدر في أواخر شهر أغسطس/آب، عن معهد برتيلسمان ستيفتونغ الألماني (https://www.bertelsmann-stiftung.de/fileadmin/files/BSt/Publikationen/GrauePublikationen/Study_LW_Religion-Monitor-2017_Muslims-in-Europe_Results-and-Country-Profiles.pdf]) ، يشير الى التقدم الحاصل في اندماج المواطنين المسلمين في المجتمعات الأوروبية، عموماً مع استمرار بعض حالات التمييز ضدهم في التوظيف، مثلاً في فرنسا. ما رأيك؟

‎أعتقد أن سبل الاندماج تختلف بين ألمانيا وفرنسا. ففي ألمانيا، يتم هذا الاندماج عبر سوق العمل، والتدريب الحرفي. علماً أن معدلات البطالة أقل في ألمانيا، ثم أن النظام المدرسي يوجه الفتيان والفتيات باكراً ، منذ سن ال11 ، نحو مدارس ال “ريال شولن” التكميلية، ثم المدارس المهنية والتدريب المتناوب. وهو نظام أثبت فعاليته في الحقيقة، في مجال التشغيل، بيد أنه من الصعب تطبيقه في فرنسا لاختلاف التقاليد بين البلدين ففي فرنسا يتم توجيه التلاميذ في سن لاحقة (15 عاماً)، لان طموح المدرسة هو تكوين المواطن. والمدرسة هي أفضل أداة للاندماج في المجتمع في بلدنا. كما أنها تحقق نتائج لا بأس بها. غالباً ما يجري التركيز على الإخفاق المدرسي ولكن هناك العديد من النجاحات، لا سيما في صفوف المواطنين المتحدرين من المهاجرين. أؤيد ما قام به وزير التربية السيد بلانكير من مضاعفة عدد الصفوف الدراسية في المناطق الحساسة حيث نسبة الإخفاق مرتفعة، وهذه خطوة جيدة على طريق الحد من أوجه انعدام المساواة في المراحل الأولى.

وهناك طبعاً مشكلة التشغيل، وهي متصلة بسياستنا الاقتصادية. ثمة بوادر انتعاش اقتصادي حالياً، أرجو أن تؤتي السياسة التي بدأها الرئيس ماكرون ثمارها على صعيد فرص العمل. إلى جانب ذلك لابد في اعتقادي من انتهاج سياسة تتسم بالعزم على التوظيف بما يتناسب و“الصورة الحقيقية لكل أطياف المجتمع” كما فعلت بنفسي عام 1999، عبر إنشاء “اللجان المحلية لتحقيق المواطنة”.

‎هل تؤيد تعليم تاريخ الأديان في المدارس الحكومية؟

‎ هذا اقتراح أحد أصدقائي المقربين، ريجيس دوبريه ، ولقد تم إدخال هذه المادة فعلاً في البرامج عام 2000. ولكن لا بد من الاعتراف بأن المُدرسين في فرنسا غير مُهيئين لتدريسها. يبدو وكأن المسألة الدينية بحد ذاتها تستعصي على إدراكهم، بغض النظر عن التاريخ، فمن حق الانسان أن يدين بعقيدة أو لا يدين ولكن على المدرسة أن تكون قادرة على شرح أهمية وجود الدين بحد ذاته، وكذلك الروابط التي تربط ما بين الديانات الثلاث الأساسية - حتى لو كانت البوذية حالياً في طور ‎نمو متعاظم في بلادنا- هذه الديانات التوحيدية التي رأت النور في الرقعة نفسها من الكون: فلسطين، مصر، الحجاز، علماً أنً الموروث الإغريقي كان له أيضاً أهمية بالغة. من الملفت للنظر أن نرى منبع هذه الديانات الكبرى في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولذلك من الأهمية بمكان ان يتم التعارف المتبادل بين أتباعها. كما أعتبر من الأهمية بمكان الفهم الصحيح للعِلمانية، والتي لا بد من تدريسها في وظيفتها التنويرية التي يجري السكوت عنها. فالعلمانية لا تُختصر بال“تسامح”. كان ميرابو (أحد أعلام الثورة الفرنسية) يقول :“السلطة التي تتسامح... قادرة أيضاً على عدم التسامح”، إذاً فكلمة التسامح لا تُفيد المعنى. وليس محض صدفة أَن تكون كلمة علمانية واردة فقط في القوانين التي تتناول المدارس، وهي غير موجودة بتاتاً في قانون 1905 ( قانون فصل الدين عن الدولة في فرنسا) لأن وظيفة المدرسة تتمثل في صنع المواطن أي الرجل أو المرأة القادرين على إعمال الفكر المستقل، والمشاركة في تحديد النفع العام. ولا بد من تبديد سوء الفهم حول هذا الموضوع، لا سيما في أذهان الشعوب المسلمة، التي تخلط ما بينه وبين الإلحاد، ولا علاقة إطلاقاً بين هذا وذاك.

‎وهو مفهوم لا يفسر بشكله الصحيح في فرنسا أيضاً...

‎علينا أن نفسره لكل الفرنسيين. والمؤسسة عاكفة على وضع موقع إنترنت سوف يصبح مجالاً رقمياً يقدم المعرفة، حول شتى الثقافات والحضارات في الاسلام من ناحية، ومن ناحية أخرى حول العلمانية وكونها ليست موجهة ضد الأديان إطلاقاً. كل ما تعنيه العلمانية أن هناك مجالاً مشتركاً بين كل المواطنين، بعض النظر عن عقيدة كل منهم، حيث يمكنهم الاتفاق بشأن المصلحة العامة، وذلك عبر منطق العقل، وبرهان الفكر، فالفكر العقلاني مشترك بين البشر. كما علينا النهوض بمستوى المدرسة في فرنسا. إنني أضع ثقتي في وزير التربية، فهو رجل ذو كفاءة عالية، وله أفكار نيّرة.

‎هل تعتقد أن التزمت الديني يكفي لتعليل ظاهرة الإرهاب؟

‎كلا. ولكن لا بد لنا أن نذكر بأن الارهاب في صيغته التكفيرية يصيب أول ما يصيب المسلمين أنفسهم ويلحق بهم أكبر عدد من الضحايا. من جزائريين وعراقيين وأفغان وسوريين...فهم الذين يدفعون أعلى ضريبة لهذه الظاهرة. وفِي أوروبا، طبعاً، هناك عوامل أخرى، تتدخل في الموضوع، كحالات التمييز التي أشرتِ إليها آنفاً، وهناك الشعور المبالغ به أحياناً بالاضطهاد، مما يغذي حالة الاحباط اتي تحفز الإقدام على الفعل الإرهابي. من هنا أهمية المساعي لتحقيق العدالة الاجتماعية في بلدنا. ولكن علينا ان نعترف أيضاً بوجود أصولية دينية منذ زمن بعيد. لا يغيب عن أذهاننا الفكر الحنبلي منذ القرن الميلادي التاسع، والوهابية منذ القرن الثامن عشر. والاخوان المسلمون حركة نشأت عام 1928 غداة سقوط الخلافة العثمانية. هذه حركات تأخذ بالتفسير الحرفي للدين، ترعرعت في المنطقة بصوت خافت في البداية. اجتياح أفغانستان على يد السوفيات هو الذي ولد الجهاد الأفغاني، الذي سلحته وساندته الولايات المتحدة الأميركية آنذاك. إلا أن هذا الجهاد لم يكن فقط جهاداً مشروعاً ضد المعتدي الخارجي، إنما كان أيضاً عبارة عن تطرف ظلامي حول قضايا المجتمع في أفغانستان، تصارعت بشأنها قوى مُنفتحة على العصر وقوى متشبثة بالماضي. وأنني حريص على إصدار حكم متوازن دقيق على هذا الموضوع، فلقد كان سبباً في ظهور القاعدة والظاهرة الجهادية الكونية التي أعلنها أسامة بن لادن بعد حرب الخليج الأولى، تلك الحرب التي قال عنها هنتيغتون أنها الحرب الحضارية الأولى، وهو الامر الذي أدركته شخصياً حينذاك، وبنيت موقفي عليه وتحملت مسؤولياتي. ولا أعتقد أن العديد من السياسيين كانوا على هذا الخط وقتها. وبعد ذلك واجهنا ظاهرة القاعدة ثم داعش إثر حرب الخليج الثانية في 2003 وتدمير الدولة العراقية من قبل الأمريكيين. اما حركات العصيان التي شهدتها الولايات الغربية في العراق لصالح القاعدة فلقد كانت ضريبة التعامل مع هذه الولايات ليس من قبل الأميركيين فحسب بل من قبل حكومة بغداد الشيعية، وتماديها في السلوك الطائفي الفئوي، والإعدامات الجماعية... لا بد للفرنسيين أن يفهموا بشكل أفضل ما يحصل في الشرق الأوسط.

إذاً فالتدخل الخارجي عامل زعزعة للاستقرار يساهم في ظهور الارهاب؟

‎هذا أمر مؤكد. كان يمكن تفادي حرب الخليج الأولى. كان أمراً في متناول اليد تماماً. في أكتوبر /تشرين الاول كان صدام حسين مستعداً للانسحاب من الكويت، لو حلت مكان القوات العراقية قوات عربية مشتركة. ألا أن الأميركيين كانوا عازمين منذ اليوم الاول أي في 3 أغسطس/آب على المواجهة المسلحة مع العراق، وذلك لأنهم كانوا يريدون الاستغناء عن الشرطي المحلي الذي كانوا يعتمدون عليه في الماضي، مثل حلف بغداد أو الملكية الهاشمية العراقيّة، او شاه إيران وبعد ذلك صدام حسين، إلا أنهم اعتبروا من الصعب التعويل عليه. فسعوا لتوطين قواتهم في المنطقة، ولا سيما في المملكة العربية السعودية وهي فكرة غير مُوفّقة صراحةً ، فلقد دفعت بشكل كبير باتجاه قيام تنظيم القاعدة على يد أسامة بن لادن. كما أرست أميركا في الدوحة مقر قواتها العسكرية . مما لا شك فيه أن التدخل الأميركي لعب دوراً فعلياً في نمو الإرهاب الذي يُزعم أنه “جهادي”. ولكن هناك أيضاً عوامل لا يمكن التقليل من شأنها. لا يمكن إلقاء المسؤولية كاملة على الأميركيين أو الغربيين. فالنزعة التكفيرية لها جذور قديمة في المنطقة، ولقد جرى إحياؤها من جديد.

‎خلال إحدى مقابلاتك الصحافية أشرتَ الى “استراتيجية الهيمنة” عبر “سياسة الفوضى”. وذكرت مثالاً على ذلك حرب 1967.

‎لقد حرمت حرب 1967 الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير، بما يعني إنشاء دولة، لو قرروا ذلك. ولقد كنت اول من أدخل عام 1972 الى برنامج الحزب الاشتراكي الفرنسي فكرة حق الفلسطينيين في تقرير المصير وبالتالي حقهم بإقامة دولتهم. ولقد كان هذا موقف فرنسا الرسمي الثابت منذ عام 1967 أساساً. ينتقد البعض فرنسا باستمرار. إلا أن فرنسا هي البلد الوحيد الذي حافظ على سياسة عادلة منذ 1967. فالجميع يذكر موقف الجنرال ديغول الشديد عام 1967، والذي عاد على فرنسا بالكثير من العداوات. ثم حافظ على السياسة نفسها كل رؤساء الجمهورية من بعده. فمن إعلان البندقية في عهد جيسكار ديستان، الى خطاب فرنسوا ميتران أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1982 (الذي أشار فيه الى حق الفلسطينيين بدولة) الى مساعدة فرنسا على إخراج ياسر عرفات من طرابلس. ولا ننسى استقبال فرنسوا ميتران لياسر عرفات في باريس والانتقادات اللاذعة التي لحقت به وألقت بظلالها الثقيلة على بقية عهده. أعتقد أن هذا الخط ما زال حاضراً.. ولو بشكل ضعيف أكثر من اللازم في نظري، حيث لا يمكن تشييد حل سلمي على “ازدواجية المعايير” .

‎ولقد تطورت ظاهرة “سياسة الفوضى” مع حرب العراق. الشرق الاوسط منطقة بالغة التعقيد: ثمة دول أنشأت في سنوات ما بعد الحرب العالمية الاولى، اكتسبت واقعاً ملموساً طورته مثلاً من موروث عاصمتي الأمويين والعباسيين العريق كسوريا والعراق.

‎وما اسميه سياسة الفوضى هو إرادة تحطيم هذه الدول، تفتيتها الى كيانات صغرى، عرقية أو طائفية إن أمكن. على سبيل المثال هناك من ينادي باستقلال كردستان العراق، ولكن هؤلاء لا يدركون أن المشكلة الكردية قد تسمم المنطقة لثلاثين سنةً قادمة من الحروب فبلدان مثل تركيا لن تقبل بتقطيع أوصالها، وسوريا سوف تقاوم المشروع، وبحق. وإيران ليست مستعدة للموافقة على قيام كردستان إيراني. وبالتالي فإن السلام الدولي يقضي بالحفاظ على التوازن الذي بُني عليه العراق. فهذا البلد يتضمن أكثريةً شيعية ضيقة نسبياً، وأقليتين كبيرتين نسبياً، عربية وسنية. فلا بد من صون التوازن القائم. أنا لست ضد الاستقلال الذاتي الداخلي لكردستان، بل أؤيده، ضمن فيديرالية تسمح بإعادة توزيع الثروات النفطية بين الفرقاء الثلاثة الذين كونوا العراق. والأمر نفسه ينسحب على سوريا. والفرنسيون أدرى القوم بذلك بما أنهم مارسوا انتداباً على سوريا. فكيف يُعقل تقسيم سوريا الى كيانات صغرى.. أكراد، دروز، علويين.. وأين يوضع المسيحيون، هل يوضعون حول دمشق، وعددهم لا بأس به فهم يشكلون 10% من السكان؟ ثم هناك السّنة وهم الأغلبية، ولا أحد يمكنه إنكار ذلك، وقد يتحالفون مع سُنّة العراق. وهذا بالضبط ما كانت تسعى إليه داعش. وها أن البعض، من أشباه المستشرقين، الأقزام مقارنةً بالعملاق جاك بيرك، يسعون اليوم باسم انتقادهم لاتفاقيات سايكس بيكو، الى تحطيم هذه الدول ذات الجذور القديمة. هذا ما أسميه استراتيجية الهيمنة عبر الفوضى. ويتعين على فرنسا بالأحرى أن تدافع دوماً عن مبدأ المواطنة الذي يرقى فوق الاختلافات العرقية والدينية.

‎ما هي الرسالة التي توجهها اليوم للشباب الفرنسي المسلم؟

‎رسالة بسيطة جداً: لهم الحق في ممارسة دينهم، لهم الحق تماماً في أن يكونوا مسلمين، لهم الحق في أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا، فالجمهورية الفرنسية تضع حرية المعتقد فوق كل اعتبار، في سلّم القيم. هؤلاء الشباب مواطنون فرنسيون. مستقبلهم في فرنسا. ولا بد لكل الناس ذوي النوايا الحسنة والاستعدادات الطيبة، وهم أولهم، أن يضعوا يداً في يد، ويصنعوا فرنسا المستقبل، التي يمكن ان يكونوا نخبة لامعة فيها، إن أرادوا ذلك فعلاً وإن أحسنّا توجيههم. علينا أن نجعل فرنسا تلحق بركب القرن الحادي والعشرين، وذلك بالتعاون الوثيق مع البلدان الصديقة والحليفة، بلدان المغرب والمشرق وإفريقيا، التي نبني معها علاقات جديدة على أساس المساواة والاحترام المتبادل، ومشروع حضارة مشتركة بيننا.

0