218
بقلم: محمد شكري

تعيش العاصمة العراقية نهضة خجولة تبرز معالمها في شارع المتنبي وجواره. إلا أن عودة الحياة الى هذا المكان الغني بالرموز تُخفي تدهوراً تدريجياً للتراث الهندسي في الأحياء القديمة، والذي قد يندثر كلياً إن لم تُتخذ تدابير لصونه على المدى البعيد.

كثيراً ما ينظر الى بغداد على أنها مدينة تم فيها الطلاق نهائياً بين الطوائف، وفصلت فيها الجدران بين السكان تماماً، ولكن الأمر غير صحيح: بل ويمكن القول إن هذا التوجه بات يسير في الاتجاه المعاكس، كما يدل على ذلك التقلص التدريجي لحواجز التفتيش. الحياة الطبيعية تطل بخجل منذ الحوادث الدامية التي رافقت الحرب الأهلية والإرهاب. ولقد استعاد هذا الشارع الذي يرمز الى التجديد كامل رونقه بعد سنوات من إعادة الإعمار إثر الاعتداءات التي شوهت منظره عام 2005. ومنذ ذلك الحين فهو يستقبل كل يوم آلاف الزوار، غالبيتهم من العراقيين. كانت بغداد فيما مضى قد ارتقت الى مكانة العاصمة العالمية للعلوم والثقافة في ظل الحاكم العظيم هارون الرشيد في نهاية القرن الثامن. وبات رمزها هذا الشارع الذي يحمل اسم الشاعر الكبير الذي عاصر ذروة الفنون في الخلافة العباسية في القرن العاشر. “وها هم العراقيون يستعيدون اليوم أصالة المدينة وحيويتها”. تقول لنا بدور، الطالبة الشابة في فن التصميم الشكلي (غرافيك) والسينما، الآتية من الناصرية في جنوب البلاد الى هذا الحي الذي ترتاده بانتظام:“يذكرنا هذا الشارع الى حد بعيد ببغداد الستينات والسبعينات التي كانت تستقطب المثقفين من كافة أرجاء العالم العربي.”

قلب الثقافة النابض

للمعرفة مكانة الشرف في هذا الحي بالفعل. في بعض الشوارع المخصصة حصرياً للمشاة ترى الباعة يعرضون مئات الكتب أمام المارة المتجولين الذين يرمقون الغلافات بنظراتهم. تتراكم شتى أنواع الكتب تحت الشناشيل (الشرفات التقليدية بالخشب المحفور مثل المشربيات)، وتتنوع بين مؤلفات اليسار الماركسي العربي في السبعينات، والأدبيات الإسلامية والكتب المدرسية. يقول سعد، بنفحة فلسفية، وهو الناطق بالإنكليزية، صادفته في جوار كتبه المعروضة “طالما أن الكتب موجودة، فالأمل موجود” وسعد يشعر بالحنين الى الفترة التي كانت بلاده فيها موحدة قبل أن يجني الغزو الأميركي عام 2003 وما لحقه من فوضى عارمة على كرامة العراقيين وسيادتهم. ويضيف سعد بزفرة من لا حول له ولا قوة :“لست أتحسر على حكم البعث البائد ولكن ما وصلنا إليه اليوم شيء مريع فعلاً”. وسعد لا يُفوّت فرصة لممارسة لغته الإنكليزية مع بعض الزوار الأجانب الذين غامروا بالوصول لهذا المكان ووجدوا أنفسهم أمام كشك الكتب. يكمنهم أن يجدوا لديه كتب الرحلات التي وضعها مغامرون بريطانيون مثل ويلفريد تيزيغر، جرترود بيل ولورانس العرب. وعندما يقطع الزائر مسافة في الشارع الضيق يطل عليه فجأة مقهى الشاهبندر ذاك المقهى الأسطوري الذي تم تأسيسه عام 1917. كل المثقفين العرب من ذواقي المطالعة والمتبحرين بماركس، دولوز، نيتش، عفلق وسارتر، قد ارتادوه يوماً ما، لا بد، وحلموا فيه بتغيير العالم. “كان بمثابة أكاديمية أفلاطون، تفتحت فيها الكثير من المواهب!” هذا ما يشرحه لنا أستاذ جامعة من مرتادي المقهى المنتظمين. ويضيف: “ولئن كان الفكر السياسي في العراق قد تقلص مع سطوة الدين والانطواء الطائفي، فلقد ظل مقهى الشاهبندر ملتقى ثقافياً وبوتقة لصهر الفكر المدني والتقدمي بالرغم من الظلامية المحيطة به”."

اعتداء إرهابي مدمر

هذا المظهر النابض بالحيوية لا يمكن أن ينسينا أن شارع المتنبي عاش فترة عصيبة. ففي الخامس من شهر مارس/ آذار اجتاحت المكان شاحنة محملة بالمتفجرات قضت على ثلاثمائة نسمة ودمرت واجهة العاصمة الثقافية. ولقد فقد محمد الخشالي صاحب المقهى أبنائه الخمسة تحت حطام الحانة العائلية. تلقىّ بكل جوارحه هول الصدمة إلا أنه لم يبق طريح الأرض بل ظل مصمماً على إعادة فتح المقهى، ولقد عاد بالفعل الى العمل سنتين بعد المأساة. وكانت بغداد وقتها في أوج فترة تصاعد العنف. وبالرغم من خطة طموحة لإعادة الإعمار تبلغ عدة ملايين دولار بتمويل من الحكومة العراقية وحملة دولية لدعم المشروع بهدف تكريم الأدب العربي، إلا أن الحي ظل لفترة طويلة تحت وطأة الصدمة التي طالت رموز الهوية العراقية المتمثلة بالتعايش السلمي والفنون. أما اليوم فلقد تم بلوغ الهدف ولو جزئياً. في الشوارع الضيقة المجاورة لشارع المتنبي ثمة متاجر صغيرة تبيع كتب المؤلفين الجدد وكتاب الأدب العراقي المعاصر. جيل شاب ومغامر يحرز النجاح أخيراً مثل براءة البياتي التي كانت أول من فتح مكتبة ودار نشر على مشارف الشارع. ومن ضمن وجوه حركة التجديد هذه أحمد السعداوي صاحب رواية “فرانكنشتاين في بغداد” التي صدرت عام 2014 وترجمت الى الفرنسية وأحرزت نجاحاً دولياً.

في آخر شارع المتنبي، في ساحة صغيرة على الضفة اليسرى لنهر دجلة، يتدافع العراقيون لالتقاط صور عائلية وصور ذاتية (سيلفي) بصحبة الأصدقاء أمام تمثال الشاعر الذي منح اسمه للشارع. في هذا اليوم ، يوم الجمعة في نهاية شهر نوفمبر، يتجمهر الناس في طرف الشارع. يلقي بعض الأعضاء في منظمة دفاع عن حقوق المرأة خطاباً في الجمهور ويطالبون بوضع حدٍّ لقتل الفتيات: “جرائم الشرف لا تختلف عن التصفيات الجسدية التي تتم على أيدي داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) » هذا هو هتاف جوقة النساء اللواتي يحملن لافتات تحمل مطالبهن. ويقول أبو علي، وهو دليل يرافق مجموعة من الصحفيات الأجنبيات:”هذا ما يمثله شارع المتنبي أيضاً: مجال يمكن فيه التظاهر والهتاف بكل الشعارات التي قد يعتبرها البعض هدامة والتي قد لا تعجب كل العراقيين".

جولات شعرية

في شارع المتنبي تعتبر القشلة أيضاً ملتقى ثقافياً آخر كبير الأهمية في هذا الحي. هذه الثكنة القديمة التي انتهى تشييدها عام 1881 والتي كانت مخصصة لراحة الجنود العثمانيين قد شهدت العديد من التحولات. فقد كانت في البداية مقر أول متحف في العراق، ثم مقر عدة وزارات عراقية. وبفضل حدائقها التي تحيط بها المباني ذوي القناطر فلقد باتت اليوم فضاء التعبير الفني بامتياز. حول برج الساعة في الحديقة التي تقابل نهر دجلة، يلتقى الشعراء من أنصار المناظرات الشعرية في مبارزات تثير حماس الجمهور. عبر إلقاء القصائد القديمة أو ارتجال قصائد الهجاء، يقارع واحدهم الآخر أمام حفل المبتهجين. وعلى مسافة من هذه المناظرة يلتف جمهور آخر مفتون هو أيضاً بالأنغام العربية التقليدية التي يعزفها الموسيقيون. الأمر الغريب الوحيد في هذه الحديقة: نشطاء من تنظيم الحشد الشعبي، يعتلون منصة يطلقون منها حملة دعاية سياسية تمجّد نضال الميليشيات الشيعية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. يستمع بعض المتفرجين لخطاب الشيوخ قبل أن يزوروا المجسم المبسط الذي يمثل ساحة المعارك ضد الجهاديين.

حت قناطر المبنى الجسيم وفي قاعة كبرى يكرم أحد المتاحف التراث الحِرَفي والفني، سواءً أكان من الفن المسمى بالساذج أم المعاصر وفي كل الأحوال فهو مطبوع باللمسة العراقية. تطالعنا صور من الأرشيف تحمل ذكريات الفترات المشرقة في تاريخ المدينة. تحت الصور المعلقة يقوم بعض النحاة بالنقش على الحجر أمام الزوار. وثمة جداريات تعيد إحياء الأزمنة الخوالي في أرياف مُخضَوْضِرة كصورة الأهوار في الجنوب. فالعراقيون مولعون بهذه الصور المثالية لعراق النعيم، الجنة الغابرة، مهد الحضارة.

0